1) نشأة وتطور قوعد القانون الإداري:
نشأ القانون الإداري خلال منتصف القرن التاسع عشر بفرنسا وتحديدا منذ الثورة الفرنسية سنة 1789 م ، حيث تعتبر هذه الأخيرة الدولة الرائدة في إرساء قواعده لتنتقل بعد ذلك إلى باقي الدول ، فقبل الثورة لم تعرف فرنسا سوى قضاء عاديا يبث في النزاعات التي قد تنشأ بين الأفراد . أما النزاعات التي تكون الدولة طرفا فيها فتحال على محاكم تدعي 《البرلمانات القضائية》 , لكن بعد قيام الثورة كان من نتائجها الغاء هذه البرلمانات نظرا للانتقادات التي وجهت إليها من قبل الإدارة والأفراد على حد سواء ، حيث تمسك أصحاب الثورة بمبدأ الفصل التام بين السلطات الإدارية والقضائية ، واستجابة لذلك صدر قانون 24 / 16 غشت 1790 بشأن التنظيم الإداري تنص المادة الثالثة عشر منه على أنه : « الوظائف القضائية مستقلة وتظل منفصلة ومتميزة عن الوظائف الإدارية . . . .》 ، حيث منع هذا النص منعا كليا السلطة القضائية التدخل أو التعرض لأي قضية إدارية كيف ما كان مضمونها ، وبعد ذلك تأتي مرحلة نابليون بونا بارت حينما أصبح القنصل الأول لفرنسا سنة 1806 تم إنشاء مجلس الدولة الفرنسي كان دوره ينحصر آنذاك في:تقديم التوجيه والإرشاد للإدارة وهي نصائح لا تلزمها ، وكان بمثابة جهة استئنافية تنظر في القضايا المعروضة عليه من قبل مجالس الأقاليم ، إلا أن قراراته لا تعتبر باتة ونهائية إلا بعد موافقة رئيس الدولة عليها وهي مرحلة يمكن نعتها بالقضاء المحجوز .
وفي سنة 1872 صدر قانون حول المجلس الدولة الفرنسي صلاحية إصدار أحكام قضائية بشكل نهائي وأحكامه ملزمة للإدارة ، أي أنه أصبح ينعم باختصاص مفوض وكامل وهذه المرحلة سميت بالقضاء الإداري المفوض .
هكذا إذن يمكن القول على أن مجلس الدولة الفرنسي كان له وقع وتأثير كبيرين على مستوى إرساء أسس قواعد القانون الإداري ، حيث قام بمجهود كبير لإقامة قانون إداري مستقل و منسجم مع العلاقات الإدارية التي يؤطرها ، حيث استبعد فكرة تطبيق قواعد القانون الخاص المؤطرة المصالح الأفراد الخاصة ، لما في ذلك من مخاطر تهدد حسن سير المرافق العامة ، وهذا لا يعني استبعاد قواعد القانون المدنية وإنما استنبط قواعد القانون الإداري على أساس تحقيق الموازنة بين المصلحة العامة التي تمثلها الإدارة ومصالح الأفراد الخاصة ، لهذا لا يمكن الحديث عن نشأة القانون الإداري الفرنسي في غياب الحديث عن نشأة مجلس الدولة الفرنسي .
أما بخصوص المغرب فيمكن الحديث عن نشأة القانون الإداري من خلال مرحلتين تدعى الأولى بمرحلة القضاء الموحد ، والثانية بمرحلة القضاء المتخصص .
بخصوص مرحلة القضاء الموحد أي فترة ما قبل إحداث المحاكم الإدارية حيث أنه ما قبل 1912 - فترة الحماية - كانت الإدارة تجمع بين مهام التشريع والتنفيذ والقضاء ، فلم يكن هناك مبدأ الفصل بين السلط ، والطعن في تصرفات الإدارة أمرا محظورا ، وحينما أعلنت فرنسا الحماية على المغرب في 30 مارس 1912 قامت بإصلاحات تخدم مصالحها ، ففي المجال الإداري قامت بإنشاء محاكم فرنسية تختص بالنظر في القضايا الإدارية وفق مقتضيات ظهير 12 غشت 1913 ، وكان في ذلك حماية الامتيازات المستعمر ، لكن بعد حصول المغرب على الاستقلال
تم إنشاء المجلس الأعلى سنة 1957 ، وفي سنة 1993 صدر قانون إداري متخصص وهو القانون رقم 41 . 90 وتثمينا لذلك وحماية للأشخاص المتقاضين في الدرجة الأولى جاء القانون رقم 80 . 03 المؤسس لمحاكم الاستئناف الإدارية سنة 2006 .
2) مذاهب القانون الإداري
أ) - المذهب الأنجلوسكسوني : ينبني هذا المذهب على أساس المساواة بين الأشخاص العامة والأشخاص الخاصة ، أي أن الإدارة تكون في منزلة الفرد أثناء مواجهته ، ولا تتمتع بامتيازات السلطة العامة ولو كان تدخلها بهدف تحقيق المصلحة العامة وهو ما يفيد خضوعها لقواعد القانون الخاص ، أي وحدة المحاكم المطبقة للقانون ، حيث يتنافى ذلك مع المفهوم الذي ينبني عليه وجود قانون خاص يطبق على الإدارة .
ب) - المذهب الفرنسي : على عكس المذهب الأول يرى المذهب الفرنسي ضرورة التمييز بين الإدارة والفرد ، وذلك راجع إلى التمييز في طبيعة الوسائل التي تستعملها الإدارة من جهة وطبيعة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من جهة ثانية ، إضافة إلى الطابع الإلزامي الذي تتميز به قراراتها .
ففكرة قانون خاص بالإدارة ويطبق عليها من طرف المحاكم الإدارية يعود إلى الاجتهاد القضائي الفرنسي لأول قرار صادر عن محكمة التنازع الفرنسية بتاريخ 8 فبراير 1873 ، والمتعلق بقرار بلانكو Blanco الذي أكد فيه مندوب الحكومة الفرنسية دافيد David أن المحاكم العادية ليست مختصة للنظر في الدعاوي المرفوعة ضد الإدارة ، أيا كانت طبيعة هذه الدعاوي ، مصرحة بأن الاختصاص يعود إلى المحاكم الإدارية التي يناط بها تطبيق قواعد متميزة عن القانون المدني ، معللة قرارها بأن المسؤولية التي تتحمل الإدارة نتيجة الأضرار التي تتسبب فيها للخواص أثناء تنفيذها لمرفق عمومي لا تنطبق عليها قواعد القانون المدني

تعليقات: 0
إرسال تعليق